مراكش الحمراء

مرحبا بك اخي كعضو جديد
مراكش الحمراء

منتدى اشهاري لمدينة مراكش لكل من يود التعرف على المدينة او زيارتها


    المساء : مراكش.. نحبك في البعد أكثر

    شاطر

    Abdou
    Admin

    المساهمات : 249
    تاريخ التسجيل : 05/02/2010
    العمر : 45
    الموقع : المغرب مراكش

    المساء : مراكش.. نحبك في البعد أكثر

    مُساهمة من طرف Abdou في الإثنين يناير 24, 2011 7:56 am

    سلوى ياسين :

    لا أحد يدرك التيه والتوتر الذي كان يعيشه في مدينة مراكش إلا حين يتذوق العيش في مدينة هادئة صغيرة. مراكش في ضيق طرقاتها، تحس بأنها شيدت لتكون مدينة بطيئة الطباع، مدينة للحرفيين والفنانين، متقنة مثل إيقاعات «الدقة الرودانية». مراكش اليوم، قاسية على الجميع، مفترسة بازدحامها، مدينة على عجل دائم. فرغم أنك تبدأ الحياة داخلها في الصباح الباكر، يظل الوقت يتسربل منك مثل الرمال بين اليدين، ومثل النقود التي تتسرب منك في غلاء المدينة المجحف.
    مراكش صباحا، جحيم لا يطاق حين تتحايل على الطرق لتصل إلى مبتغاك. تقفز أمامك وخلفك وبجانبيك الدراجات النارية والهوائية، يظن معظمهم أن علامات قف أو الضوء الأحمر لا تعنيهم. وتظن أنت بدورك أن ليس لهم الحق في مشاركتك الطريق. يرون أنك مغرور بهذه السيارة المغلقة عليك، فيستحيل الحوار. إن لم تضبط أعصابك وتضع عجينا على أذنيك، ستنشب حتما معركة. والأجمل من هذا وذاك، حين تصادف رجلا عجوزا يقود دراجته بهدوء سلحفاة. لا يستدير أبدا، ويترك أمر سلامته تتدبرها لوحدك.
    حين ترجع لتناول الغذاء، تجد الجميع بدورهم جائعين ومسرعين. تتعرج يمينا ويسارا، تريد أن تكون ماكرا هذه المرة، فتقفز بسيارتك بين الفراغات تصل إلى «باب دكالة»، فيبدأ الجحيم من جديد.. تنشب المعارك الجانبية وتنغلق كل الطرق من الازدحام، وتتمنى لبرهة لو أنك طائر. يضيق قلبك من الانتظار ومن انتهازية البعض الذين يزاحمونك ويحتكون بك كي تتركهم يمرون، وهم دائما يرون أنهم أكثر انشغالا منك. تكتظ الطريق، تنغلق تماما، تتزايد دقات قلبك لأنك ستتأخر أكثر، ومازالت أمامك مسؤوليات كثيرة. تنفتح الطريق أخيرا، تلهث وتسرع.
    في العشية، تصبح مراكش حالمة، مثل مراهقة فتية. غروبها يغطي على البؤس المتفرق هنا وهناك. الأجانب الزائرون ينغمسون في فوضى الأماكن، لا يقدر قيمة هذه الفوضى المبعثرة في كل مكان إلا من ذاق مرارة وسلطة النظام. مطاعم «جامع الفنا» تقدم الأكل المعقد الذي لن تكتشف مكوناته ولو ذهبت إلى كل مختبرات العالم، لا يهم، من يحب مراكش تعمى عينه عن عيوبها، ولا يسأل. تصطف عربات الفواكه في كل مكان، تزيد الازدحام تعقيدا، وإن سولت لك نفسك أن تحتج، سينفث أصحابها في وجهك كل عناء يومهم تحت الشمس والهجير. أما الأجانب المقيمون فقد فهموا مزاج مراكش المتقلب طوال اليوم، يستعملون بدورهم الدراجة النارية أو الهوائية، ويحملون قفة القش أينما ذهبوا، كي ينتهزوا فرصة الشراء عند المساء، حين ينخفض ثمن الخضر والفاكهة.
    مراكش ليلا، تفترش حمرتها وتبدأ في الاسترخاء.. يدخل الجميع جحورهم، ينتقل جحيمها إلى أماكن أخرى، يتدثر داخل البارات والملاهي. ترتاح مراكش، وتسر يومها إلى روحها المتصوفة، فلا أحد يفهم مراكش أكثر من رجالها السبعة، رغم أنها تغيرت عليهم، قست على الجميع بازدحامها وقلقها المزمن، وهجمت ببنيانها على عرصاتها الممتدة وزيتونها وليمونها. تبدو مراكش في الليل بريئة من كل اتهام. إذا غسلها المطر، فلا يمكن إلا أن تقع في غرامها، وتلهمك أن تقع بدورك في الحب. أما إذا زارها القمر وارتمى على أسوارها، فلا مناص من أن تهدأ وتتأمل، وتهيم في هذا البهاء. وحين تتذكر الجحيم الذي ينتظرك في الغد، تتمنى الرحيل، وتظل تحبها في البعد أكثر.

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء يوليو 17, 2018 7:35 pm