مراكش الحمراء

مرحبا بك اخي كعضو جديد
مراكش الحمراء

منتدى اشهاري لمدينة مراكش لكل من يود التعرف على المدينة او زيارتها


    الشرق الأوسط : الرجال اللقالق... غربيون بقلب مراكشي

    شاطر

    Abdou
    Admin

    المساهمات : 249
    تاريخ التسجيل : 05/02/2010
    العمر : 45
    الموقع : المغرب مراكش

    الشرق الأوسط : الرجال اللقالق... غربيون بقلب مراكشي

    مُساهمة من طرف Abdou في السبت يناير 22, 2011 8:52 am

    أميركية ترمم منبر «الكتبية» في مراكش وهولندي وهب متحفا وإسباني يحرس ساحة جامع الفنا

    مراكش: عبد الكبير الميناوي

    تمارس مدينة مراكش المغربية سحراً خاصاً على زوارها وسياحها، وخصوصاً الأجانب منهم. وإذا كان من بين سياح مراكش من يناقش في ثمن الأكل والشرب ويحرص على مطالبة سائقي سيارات الأجرة باستخدام العداد، فإن مِن السياح، الذين فضلوا الاستقرار بها، مَن يدخل التاريخ فيرمّم تحفة أثرية مراكشية بمليون دولار، أو يهبُ متحفاً يساوي الملايين، أو يجالسُ البسطاء من الناس، أو ينخرط في مشاريع ثقافية لصالح المدينة.

    هكذا تمر الأيام والسنوات، وتبقى مدينة مراكش شامخة في مكانها بكل بهائها تصنع بهجتها، فيما تعدل من مشيتها، قليلا أو كثيراً. مدينة يهيم بها سياح الداخل والخارج، على حدٍّ سواء. كلٌّ يأتيها من حيث اشتهى ورغب: الكتاب والفنانون، السياسيون والرياضيون، التجار ورجال الأعمال، المُبدعُون والمُدّعون... لكلٍّ حكايته مع المكان والحياة.

    كثير من المراكشيين صاروا يُفرطون في ثقافة المدينة وجوهر حضارتها نزولا عند رغبة إعصار المال والسياحة.

    بعض الأجانب، ممن لبستهم المدينة بألوانها وشمسها ودفئها، صاروا حراس مكان وثقافة. مفارقة، فعلا.

    ومن بين من فضلوا الاستقرار بالمدينة الحمراء من الأجانب هناك أسماءٌ لا يسعك إلا أن تقف تقديراً واحتراماً لها. من هؤلاء، نذكر الهولندي، بيرت فلينت، والإسباني، خوان غويتسولو، والسويسرية، سوزان بيدرمان إليوت، والأميركية، باتي كود بي بيرش.

    الهولندي بيرت فلينت، هو أحد هؤلاء الذين هاموا بمراكش عشقاً ودفئاً إنسانياً. رجلٌ قضى أكثر من نصف قرن يتعهد فكرة قادته إلى دول الجنوب شاباً، قبل أن يدفع به حسه الإنساني في أواخر العمر إلى إهداء عصارة جهده، متحف «دار تسكوين»، إلى جامعة القاضي عياض بمراكش، من دون أن يفكر إلا في رمزية الأشياء، بعيداً عن ملايين المال ومنطق البيع والشراء.

    قبل ذلك، كان التقليد الأندلسي، كما يُعاش في المغرب، قد بدا بالنسبة لفلينت، كما لو أنه نموذج حياة، لذلك قرر الاستقرار في مراكش، في عام 1975. في سنة 1976 اقتنى فلينت «دار تسكوين» المبنية على الطراز الاسباني الموريسكي، ليجعل منها سكناً خاصاً. وفي سنة 1989 تم فتح هذه الدار في وجه العموم.

    وتقع «دار تسكوين» في عمق المدينة القديمة، ما بين قصر الباهية ومتحف دار السي سعيد. وهي تقترح على زوارها، على شكل معروضات موضوعاتية، نخبة من التحف الفنية، بعد أن تم تصميم المعرض ليكون على شكل سفر متخيل على خطى الطرق القديمة للقوافل التي كانت تربط المغرب بدول الساحل. ومن خلال تتبع الخطوات التي يرسمها المعرض، يلتقي الزائر بالناس عبر مختلف مظاهر حياتهم الاجتماعية (أنشطة، أسواق أسبوعية)، حيث ينشغل كل فرد بالصورة التي يرغب أن ينقلها عن نفسه. وهي الصورة التي يتم تقديمها عبر العناية بالمظهر الجسدي والزينة.

    من جهته، يكتفي خوان غويتسولو بمجالسة البسطاء بمقهى فرنسا وحي القنارية. يتكلم كأب، ويمشي بين الناس كشيخ وقور. يقيم غويتسولو بمراكش منذ اكثر من ربع قرن وهو كاتبٌ معروف بمواقف إنسانية جميلة.

    تتلخص في هذا الإسباني «الغريب» أو «الإسباني على مضض» كثير من المزايا الدافئة. فهو كاتب يخضع موهبته وصنعته الأدبية لأفكاره، هو الذي منحته اليونسكو شرف كتابة نص إعلان اعتبار ساحة جامع الفنا ضمن التراث الشفوي الإنساني، اعترافاً منها بجهوده في الدفاع عن حق الساحة في اعمال الخيال والتحلي بكثير من الحس الجمالي عند كل محاولة لتوسيعها أو التغيير في ملامحها.

    في أقصوصة بعنوان «الرجال اللقالق» ينطلق خوان غويتسولو من حكاية مغربية عتيقة، تقول إن الفلاحين البربر كانوا يعتبرون اللقالق كائنات بشرية تتلبس مؤقتاً شكلها كطيور بُغية السفر والتعرف على مناطق أخرى، فإذا عادت إلى البلد استعادت شكلها الأول.



    في نفس مقدمة أقصوصة «الرجال اللقالق» نقرأ أنه ما بين 1803 و1804 عمد الأمير مولاي عبد السلام، نجل السلطان محمد بن عبد الله، وكان رجلا فقيها يهوى الموسيقى والشعر، إلى تحويل منزل كبير في المدينة العتيقة، لعله دار بلارج (اللقلاق بالعامية المغربية) الحالية، إلى ملجأ موقوف للعناية باللقالق المعتلة الصحة. ورغبة منه في توفير أفضل الظروف لعلاجها، خصص للملجأ مداخيل كراء أحد «الفنادق». لقد أعيد بناء الملجأ القديم، بعد خرابه، في عقد الثلاثينيات من القرن الماضي حسب قواعد المعمار التقليدي في مراكش، وما بين 1950 و1985 تم استعمال المبنى كمدرسة، ثم ترك مجدداً يواجه مصيره بعد ذلك التاريخ. تقول بيدرمان «عندما زرت المكان منتصف عقد التسعينيات من القرن الماضي وجدت أن ساحة الحمام الجميلة مغطاة بجثامين طيور قضت نحبها، وبالريش والفضلات»، واقتنت إليوت في سنة 1998 ملجأ اللقالق القديم لإقامة مؤسسة لرعاية الثقافة بالمغرب تحمل اسم «دار بلارج».


    وتتكون «دار بلارج» من بهو رائع من200 متر مربع

    محاط بأربع قاعات كبيرة، ثلاثٌ منها تستعمل كقاعات للعروض، أما الرابعة فمخصصة لاحتساء الشاي وللاستراحة واللقاءات. ونظمت الدار على مدى السنوات الماضية لقاءات ثقافية وأمسيات حكي وعروضاً مسرحية وحفلات، يتم اختيار المناسبات والأعياد الدينية، مثل عاشوراء وشهر رمضان، موعداً لها.

    كما تحتوي «دار بلارج» على قبو يتكون من قاعتين تقام فيهما الورشات الفنية والموسيقية المفتوحة في وجه الأطفال وشباب أحياء المدينة. وهي ورشات مجانية وفضاءات مفضلة لتلقين الممارسات الفنية التقليدية المحلية.

    وخلال حفل التأبين المؤثر الذي أقيم أخيراً بدار بلارج، ترحماً على روح سوزان بيدرمان إليوت، التي وافتها المنية في مارس (اذار) الماضي، استعاد عبد الرزاق بن شعبان، وفانسان ملليلي، ومها المادي، وخوان غويتسولو، كثيراً من المواقف والذكريات المشتركة مع الراحلة. حيث تحدث خوان غويتسولو عن أول يوم قصد فيه «دار بلارج» مرفوقاً بإليوت، متوقفاً عند حكاية تلخص لطبيعة تعامل المسؤولين مع الشأن الثقافي في مدينة مراكش، في زمن السياحة ولغة المال. وتعود الحكاية إلى يوم افتتاح «دار بلارج»، حيث قال أحد المسؤولين، على مستوى مجلس المدينة، لبعض مرافقيه في دردشة هامشية: «كان الأجدى أن تستغل هذه الدار كمرقص»: جملةٌ سقطت مباشرة في أذن إليوت، بنفس حدة سقوطها في أذن غويتسولو.

    وكانت إليوت، وهي مهندسة ديكور سويسرية جاءت إلى مراكش في بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي، برفقة زوجها المهندس ماكس إليوت، لتجد نفسها مفتونة ومأخوذة بسحر المدينة الحمراء وبألوانها وأسواقها، حيث شعرت بانجذاب غريب نحو مراكش عبر عيون أطفالها المشعة بالحاجة إلى شيء ما، ولذلك فكرت في أن تقوم بعمل ما لصالح المدينة وأطفالها.

    في بداية الأمر فكرت إليوت في إنشاء دار للأيتام، ولما التقت بارتلز، سفير ألمانيا السابق لدى المغرب، الذي استقر بمراكش بعد انتهاء مهامه الدبلوماسية، اقترح عليها التفكير في الاستثمار في الفن والثقافة، بعد أن بين لها أن هناك عطشاً فنياً وثقافياً بالمدينة.

    وبعد أن أرشدها غويتسولو إلى «دار بلارج» عام 1996، اقتنت إليوت الدار بمبلغ 200 ألف دولار، قبل أن تقوم بترميمها إصلاحها.

    خلال حفل التأبين قالت مها المادي بحرقة إن المدينة لم تلتفت إلى العمل الذي كانت تقوم به إليوت إلا بعد فوات الأوان. وحين لم تسعفها دموعها، خاطبت غويسولو، قائلة «أظن أن سوزان تحولت إلى لقلق، و«دار بلارج» هي عش مفتوح أمام كل مثقف لبسته حكاية اللقالق، رمز الحرية والرغبة في معرفة العالم. لقد حلقت سوزان فعلا، حلقت عالياً، لكنها كما لقلق حكاية «الرجال اللقالق» سيتذكر دوماً ناسه وداره». خلال أول زيارة لها عام 1966، ومع أول خطوة خطتها على أرضية مطار مراكش قررت باتي كود بي بيرش بأن تجعل من المدينة الحمراء سكناً ومسكناً. وفي عام 1990 اقتنت هذه المليونيرة الأميركية، التي كان تعمل نائبة رئيس المجلس الإداري لمتحف نيويورك، رياضاً بباب دكالة، حيث نسجت مع جيرانها المغاربة البسطاء علاقات إنسانية عميقة.

    عشقت باتي مدينة مراكش فرغبت أن تترجم عشقها إلى عمل يعطي المدينة قيمة مضافة. وبعد زيارات واطلاع عملت على ترميم منبر الكتبية بمراكش، والذي يعد أقدم منبر في العالم الإسلامي. وساهم في الترميم خبراء أميركيون من متحف نيويورك وخبراء وصناع تقليديون مغاربة. وكانت تلك أول مرة ينتقل فيها خبراء متحف نيويورك خارج بلادهم لترميم تحفة أثرية، حيث استغرق الترميم سنة من الزمن ومليون دولار. وهكذا، وبعد أن كان المنبر متروكاً للغبار ومركوناً في جنبات قصر البديع، صار اليوم معروضاً أمام الزوار تحفة فنية تثير إعجاب الناظرين.

    ولم تتوقف مجهودات باتي بيرش عند حدود ترميم منبر الكتبية بل تعدتها لترميم فضاءات دار الباشا، في أفق إحداث متحف للحضارات الإنسانية بمراكش

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت نوفمبر 17, 2018 10:01 pm